منذ آلاف السنين، عرفت منطقة غرب أفريقيا بأنها من أغنى مناطق العالم بالذهب، إذ تزخر أراضيها وصحاريها باحتياطيات ضخمة من هذا المعدن النفيس. وقد أسهمت هذه الثروة في ازدهار ممالك وإمبراطوريات كبرى، وجعلت المنطقة مقصدًا للتجار والقوافل التي كانت تعبر الصحراء الكبرى بحثًا عن الذهب.
وبرزت إمبراطورية غانا القديمة، ثم مملكة مالي، بوصفهما من أشهر المراكز التاريخية لإنتاج الذهب وتجارته. واشتهرت مالي بوفرة هذا المعدن حتى لُقبت بـ”مملكة الذهب”، بينما ارتبط اسم ملكها منسى موسى بثروته الهائلة، خاصة بعد رحلته الشهيرة إلى الحج، التي تناقلتها المصادر التاريخية لما حمله خلالها من كميات كبيرة من الذهب.
ومع مرور الزمن، حافظت دول غرب أفريقيا على مكانتها بين أهم المناطق المنتجة للذهب، إذ لا تزال تمتلك احتياطيات كبيرة تسهم في دعم الاقتصاد العالمي. وتشير التقديرات إلى أن المنطقة تنتج نحو 10% من إجمالي إنتاج الذهب في العالم، ما يجعلها واحدة من أبرز مناطق التعدين على المستوى الدولي.
كيف تكون الذهب في غرب أفريقيا
يرى الجيولوجيون أن الذهب من أقدم العناصر التي تشكلت في الكون، إذ يعود تكوينه إلى مليارات السنين نتيجة تفاعلات كونية صاحبت نشأة الكون. ويشير الجيولوجي رايموند كازابوي إلى وجود نظريتين رئيسيتين تفسران كيفية تشكل هذا المعدن.
وتفترض النظرية الأولى، المعروفة باسم التكتونيات التراكمية، أن كميات كبيرة من الذهب ترسبت في باطن الأرض قبل نحو ثلاثة مليارات سنة، نتيجة حركة القارات وتغير تركيب القشرة الأرضية، ما أدى إلى تجمعه في مناطق محددة.
أما النظرية الثانية، فترجع تكوين الذهب إلى بداية عصر الفانروزويك، عندما ارتفعت نسبة الأكسجين في الغلاف الجوي، وهو ما أدى إلى تغيرات جيولوجية في درجات الحرارة والضغط، أسهمت في تكوين رواسب الذهب داخل الصخور.
وفي غرب أفريقيا، تتركز أغلب رواسب الذهب داخل تكوينات جيولوجية تعرف باسم الكراتون، وهي كتل صخرية شديدة القدم والاستقرار تشكل جزءًا من القشرة الأرضية. وتشير الدراسات إلى أن هذه الرواسب تكونت قبل نحو 2.3 إلى 2.4 مليار سنة، وهو ما يفسر ضخامة الاحتياطيات الموجودة في المنطقة.
وتنتشر هذه الرواسب في عدد من دول غرب أفريقيا، أبرزها غانا ومالي وموريتانيا والسنغال وساحل العاج وبوركينا فاسو، وتشغل في بعض هذه الدول ما يقارب نصف مساحة اليابسة، الأمر الذي جعل المنطقة من أهم مراكز إنتاج الذهب في العالم.
أكبر الدول المنتجة للذهب في غرب أفريقيا
تعد غانا ومالي أكبر منتجي الذهب في غرب أفريقيا، إذ تمثلان معًا نحو 57% من إجمالي إنتاج المنطقة ومواردها من هذا المعدن، وهو ما يعكس مكانتهما بوصفهما من أهم مراكز التعدين في القارة.
وتأتي غانا في مقدمة الدول الأفريقية المنتجة للذهب، إذ تقدر احتياطياتها بنحو ألف طن متري، بينما يبلغ إنتاجها السنوي نحو 90 طنًا، ما يجعل قطاع التعدين أحد أهم مصادر الدخل في البلاد.
أما مالي، فتعد ثاني أكبر منتج للذهب في المنطقة، وتقدر احتياطياتها بنحو 800 طن متري. ووصل إنتاجها إلى 67.7 طنًا خلال عام 2023، قبل أن يتراجع إلى 51 طنًا في عام 2024، نتيجة الخلافات التي نشبت بين الحكومة وشركات التعدين الأجنبية.
ورغم هذه الأرقام، فإن إنتاج دول غرب أفريقيا لا يزال أقل من أكبر المنتجين عالميًا، إذ سجلت الصين إنتاجًا بلغ نحو 370 طنًا متريًا من الذهب خلال عام 2023، بينما وصل إنتاج أستراليا إلى نحو 310 أطنان، لتبقيا في صدارة الدول المنتجة لهذا المعدن على مستوى العالم.
التنقيب البدائي عن الذهب
اعتمد الإنسان منذ القدم على وسائل بسيطة للبحث عن الذهب، كان أبرزها تتبع مجاري الأنهار والسيول، والبحث في الرواسب التي تحملها المياه عند سفوح الجبال، حيث يمكن العثور على حبيبات صغيرة من المعدن النفيس.
ومع تطور العلوم وظهور تقنيات حديثة للتعدين، أصبحت عمليات التنقيب أكثر دقة وأقل تكلفة، كما ارتفعت كميات الذهب المستخرجة مقارنة بالطرق التقليدية.
ورغم هذا التطور، لا تزال عمليات التنقيب الأهلي منتشرة في عدد من دول غرب أفريقيا، حيث يعتمد آلاف الأشخاص على الحفر اليدوي وتكسير الصخور وصهرها لاستخراج الذهب، وهي طرق تفتقر إلى معايير السلامة وتتسبب في خسائر بشرية وبيئية.
وتشهد دول مثل مالي وموريتانيا وغينيا حوادث متكررة نتيجة انهيار آبار التعدين التقليدية، ما يؤدي إلى سقوط قتلى وجرحى بصورة مستمرة. ويرجع ذلك إلى استمرار التعدين العشوائي، في ظل ضعف الرقابة وقلة الاستثمارات في شركات وطنية تمتلك معدات وتقنيات حديثة لاستخراج الذهب.
الثروة المنهوبة
ورغم امتلاك دول غرب أفريقيا احتياطيات كبيرة من الذهب، فإن جزءًا كبيرًا من هذه الثروة يستخرج عبر شركات أجنبية تعمل بموجب عقود يرى كثيرون أنها لا تحقق عائدًا عادلًا للدول المضيفة.
وتعد موريتانيا من أبرز الأمثلة على ذلك، إذ لا تتجاوز حصة الدولة 6.5% من إنتاج منجم تازيازت، الذي أنتج أكثر من 622 ألف أونصة من الذهب خلال عام 2024. وقد أثار هذا الاتفاق جدلًا سياسيًا واسعًا، إذ اتهمت قوى معارضة الحكومات السابقة بإبرام عقود منحت الشركات الأجنبية امتيازات كبيرة على حساب المصلحة الوطنية.
وفي عام 2020، طالب عدد من أعضاء البرلمان الموريتاني بتأميم منجم تازيازت، الذي تديره شركة “كينروس غولد” الكندية، معتبرين أن العائد الذي تحصل عليه البلاد لا يتناسب مع قيمة الثروة المستخرجة.
وفي مالي، بدأت الحكومة مراجعة عقود التعدين مع الشركات الأجنبية، وأقرت عام 2023 قانونًا جديدًا يمنح الدولة حصة تصل إلى 30% في مشروعات التعدين الجديدة، كما ألغت بعض الإعفاءات الضريبية التي كانت تتمتع بها شركات استخراج الذهب.
ومطلع عام 2024، أعلنت السلطات المالية تأميم منجم ياتيلا في منطقة كايس، بعد أن كان يخضع لإدارة شركتين من كندا وجنوب أفريقيا، ليصبح مملوكًا بالكامل للدولة.
وسارت بوركينا فاسو في الاتجاه نفسه، إذ أعلن رئيس المرحلة الانتقالية إبراهيم تراوري إلغاء عدد من تراخيص التعدين الممنوحة لشركات أجنبية، كما صادرت السلطات نحو 200 كيلوغرام من الذهب من شركة تابعة لمجموعة “إندفور ماينينغ” الكندية، مبررة ذلك بحماية حقوق الدولة.
وفي فبراير 2024، استحوذت حكومة بوركينا فاسو على مخزون شركة “سيمافو بوركينافاسو لتعدين الذهب”، ضمن سياسة تهدف إلى زيادة سيطرة الدولة على قطاع التعدين وتعظيم الاستفادة من موارده.
وترى الحكومات العسكرية في منطقة الساحل أن إعادة التفاوض مع شركات التعدين الأجنبية، وزيادة حصة الدولة من عائدات الذهب، تمثل خطوة ضرورية لتحقيق توزيع أكثر عدالة للثروة، وتوفير موارد إضافية يمكن توجيهها إلى مشروعات التنمية وتحسين مستوى معيشة السكان.

